المبادئ والمرجعيات

كان المغرب عبر التاريخ، مركزا لتلاقح الحضارات وتناسجها، إذ عرف انسجاما إثنيا ودينيا ولغويا… ونظرا لدوره المحوري في المنطقة الأفروعربية والأفرومتوسطية، وما يزخر به من ثروة ثقافية متعددة ومختلفة، فإنه أضحى هدفا لما يعرف في الأدبيات السياسية، بالقوى الأصولية الظلامية التي تعمل من أجل بث روح الفكر الأحادي ونشر ثقافة الغلو والتطرف في صفوف الشباب بعامة والطلبة بصفة خاصة، وترفع شعارات دينية، تحمل خلفيات عرقية.

وانطلاقا من المؤتمر العام الثالث الذي عقدته الرابطة في يونيو 2014 بمدينة سلا، تحت شعار: “من أجل مشاركة فاعلة للشباب في رسم السياسات العمومية”، أعلن المؤتمر عن تغيير في اسم الرابطة المغربية للشباب من أجل التنمية والحداثة، لتصبح “الرابطة المغربية للشباب والطلبة: حداثة -ديمقراطية -تنمية.” حيث إن المرحلة الجديدة، فرضت وضوحا في التصور والمنهج. وتماشيا مع هذه التوجهات العامة، سنعمل في صفحات هذه الورقة على توضيح رؤية الرابطة: للحداثة، والديمقراطية، والتنمية، إذ إن هذه المبادئ الثلاثة، تعد الأساس الذي تبني عليه الرابطة تصورها الاستراتيجي في العمل الشبابي.

1- الحداثة أولا: التأصيل الغربي والبراكسيس المغاربي

شعرت الشعوب العربية بعد صدمة الحداثة، بضرورة التغيير إلا أن الإشكال قد انصب حول الحداثة نفسها، حيث نشبت صراعات حول طبيعتها وحدودها، ولعل أبسط تعريف للحداثة، كونها عقلنة للأشياء على حد هابرماس؛ سوى أن الحداثة تختلف عن التحديث، الذي نجد أن الدول المتخلفة متقدمة فيه كثيرا، إلا أن التحديث تحديث أواني أما الحداثة هي حداثة معاني. ولعل هذا التصور، يفيد كون كل ما هو مادي، وتقني، أو تكنولوجي وإلكتروني، يمكن أن تحصل عليه الدول المتخلفة بسلطة المال الآتي من ثروة الريع، غير أن حداثة المعاني هي فكر قبل كل شيء، وتفكير في كيفية إعمال الثروة الثقافية والفكرية في سبيل خلق نموذج تنموي يحتدى.

ومن الثابت أن مسلسل التقدم الحداثي في أوروبا عرف مخاضا في التشكل إلا أنه بعد ذلك، شهد مسارا سريعا في التأسيس والتطور فليس من السهل “استيعاب كل هذه التحولات السريعة والعميقة التي حملتها الحداثة معها، سواء في التنظيم الاجتماعي أو في المنظور الفكري. فوتيرة التحولات أصبحت في منتهى السرعة، بحيث يشعر المرء- منا تقول الباحثة الأنثروبولوجية مرغريت ميد- مع هذه التحولات وكأنه أصبح مسافرا في الزمن بأسرع مما كان أجداده يسافرون في المكان.”[1]

ومع ذلك، فإن الشعوب الأوروبية التي احتدت بالحداثة المطلقة، كنموذج تنموي ميكانيكي يحاول السيطرة على الطبيعة والثقافة كذلك، ويترك الإرث التراثي جانبا، ويعلن نفسه باعتباره النموذج المثالي الذي يعلم الشعوب الأخرى، ويبسط سيطرته عليها، قد شهد أخيرا انتكاسة عرفت بأزمة الحداثة، ولهذا، تطلع المثقفون الكونيون  صوب ما بعد الحداثة Postmodernisme، كونها إجابة موضوعية على استفحال المركزية الغربية.

وفي إطار الحديث عن العالم العربي، قد شهدت مرحلة الربيع العربي مدا إسلاماويا رهيبا، وضع كل الوطن العربي أمام خطر الإرهاب، والتفقير، والتهميش، والأمية… وكل ذلك، يرجع إلى مفهوم الحنين الذي يسكن البنية الفكرية للإسلام السياسي، الذي يرى أن ظلام الثيولوجيا هو السبيل الوحيد لخلاص الأمة. ومن ثمة، ارتأت الرابطة أن تتشبث بالحداثة، كخيار أساسي يجعل المجتمع المغربي يلتقي على أرضية فكرية تكفل الحرية للجميع، إلا أنها ترتبط بالمسؤولية والالتزام.

إن محاولة خلق فضاء ملائم لتواصل الشباب المغربي، تمر عبر نفق الحداثة؛ ستجعلهم ضمن الإطار العام الذي يحرك دواليب التطور على المستوى الدولي. فكل الشعوب التي انطلقت في خط النمو، ارتكزت على مفهوم الحداثة الذي لا ينفي روح المسؤولية واحترام ثقافات الغير، فالانفتاح على ثقافات العالم، يستلزم نظرة مفتوحة وشمولية، تضع كل نزعة دينية، أو عرقية، أو إقليمية جانبا. ونحن لا نروم في هذا الصدد النقد من أجل النقد، وإنما من أجل إفراز البديل فالمقلدة المتقدمون في المغرب، “يتعاطون إسقاط المفاهيم الإسلامية التقليدية على المفاهيم الغربية الحديثة كأن يسقطوا مفهوم ((الشورى)) على مفهوم ((الديمقراطية)) أو مفهوم ((الأمة)) على مفهوم ((الدولة)) أو مفهوم ((الربا)) على مفهوم ((الفائدة))؛ ويتوسلون في هذه الإسقاطات المختلفة بخطاب يريدون أن تكون له صبغة عملية توجيهيه، لكنهم يقعون من حيث لا يشعرون في شرك الوعظ المباشر؛ وهكذا يصيرون على التدريج إلى رد المفاهيم المنقولة إلى المفاهيم المأصولة؛ فينتهون بمحو خصوصية المفاهيم المنقولة.”[2]

فالحداثة ليست انسلاخا عن دواليب الهوية الوطنية، بقدر ماهي أرضية لتعزيز التعددية والاختلاف التي يزخر بها الشعب المغربي، ويقرها دستور البلاد الذي تحدث عن المكونات المتعددة التي تشكل فسيفساء الهوية الوطنية للشعب المغربي. وهكذا، فإن الحداثة في تصورنا هي “حركة انفصال، إنها تقطع مع التراث والماضي، ولكن لا لنبذه وإنما لاحتوائه وتلوينه وإدماجه في مخاضها المتجدد. ومن ثمة فهي اتصال وانفصال، استمرار وقطيعة: استمرار تحويلي لمعطيات الماضي وقطيعة استدماجية له. هذا الانفصال والاتصال تمارسه الحداثة حتى على نفسها، فما سمي ما بعد الحداثة لا يمثل مرحلة انتقال تقع خارج الحداثة ((وبعدها)) إنه أقرب ما يكون إلى مراجعة الحداثة لنفسها لنقد بعض أسسها وتلاوينها.”[3]

2- الديمقراطية لا بديل

 الديمقراطية هي إحدى المثل العليا المعترف بها عالميا، كما أنها إحدى القيم الأساسية للأمم المتحدة. وتهيء الديمقراطية بيئة مناسبة لحماية حقوق الإنسان وإعمالها على نحو فعال. وهذه القيم مكرسة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كما جرى تفصيلها بشكل أكبر في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، الذي تتجسد فيه طائفة كبيرة من الحقوق السياسية والحريات المدنية التي تستند إليها الديمقراطيات الصحيحة.

ويشير العهد الدولي المتعلق بالحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، والثقافية، إلى دمقرطة هذه القطاعات في ظل سيادة القانون، فالديمقراطية هي السبيل الوحيد الذي يضمن سيادة القانون وحقوق الإنسان والحريات العامة والفردية المتعلقة بتداول السلطة واستقلال القضاء وإبداء الرأي والحق في تأسيس الأحزاب والجمعيات والحق في التظاهر والإضراب والإنصاف وديمقراطية اللغوية وما إلى ذلك. إلا أن غيابها ينفي كل هذه الأشياء، ويقوم محلها نظام شمولي قد يغلف بتسميات متعددة قصد التمويه، إلا أنه يظل لاديمقرايا.

يختزل هذا المفهوم، تاريخا لفكر سحيق ونضالات الشعوب وثوراتهم وآمالهم، فالديمقراطية خيار يؤمن حقوق المواطنين بغض النظر عن تحديدها الدقيق، الذي وإن اختلف المنظرون والفلاسفة في كيفيته إلا أنهم التقوا في ضرورة وجوده. ونشير إلى أننا لا نريد ((لعبة الديمقراطية))، وإنما نأمل تحقيق الممارسة الديمقراطية التشاركية في ظل سيادة قيم الحرية والمسؤولية.

3- التنمية التي نريد

لا يمكن لأي دولة أن تستمر دون أن تضع خطة لتنمية جل القطاعات الحيوية اقتصاديا، وسياسيا، واجتماعيا، وثقافيا، حيث إن العمل على إحداث ثورة اقتصادية لا يجب أن يثقل كاهل المواطن الفقير، أو يتم على حساب الثروة البيئية. وفي سياق إصلاح المنظومة التعليمية، فإن حل الإشكال المركزي يتضح أنه قد انتهج السبيل الخطأ حيث أجهز على مجانية التعليم.

أما على المستوى الثقافي، فإننا نرى أن الجهات الوصية لا تعير اهتماما لذاكرة الشعب المغربي التي أصابها التلف، فالتراث المادي التي يتجسد في المآثر التاريخية، والرموز الحضارية، والفكرية… تعرف إهمالا مقصودا، وتسعى الرابطة إلى تأطير الشباب وتربيتهم على المبادرة لأجل إقرار تنمية مستدامة في كل المجالات وعلى خلق مشاريع تنموية للمساهمة في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس.

نهدف من داخل الرابطة المغربية إلى تنمية فاعلة وبدون مساحيق، تنشد تحقيق مشاريع توفر الحد الأدنى للكرامة الإنسانية لجميع أبناء الشباب المغربي،

[1]– محمد سبيلا: مدارات الحداثة، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، الطبعة الأولى، 2009، ص12.

[2]– طه عبد الرحمان: روح الحداثة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2006، ص11، 12.

[3]– طه عبد الرحمان: روح الحداثة، المرجع السابق، ص5.